المقريزي

160

إمتاع الأسماع

والمحدثين ، والنظار والمتكلمين ، لا يلمون بأخبار اليهود ، فينصبون الكلام معهم جدلا ، وإلا فاليهود إذا نوظروا بما في كتبهم من محنهم تبين لمناظرهم أنه ليس معهم خبر يصح ، فكيف يدعى فيه التواتر ؟ ومع ذلك ففي توراتهم نصوص كثيرة وردت مؤبدة ، ثم تبين أن المراد بها التوقيت بمدة مقدرة ، كقوله : إذا خربت صور لا تعمر أبدا ، ثم عمرت بعد خمسين عاما . ومنها إذا خدم العبد سبع سنين أعتق ، فإن لم يقبل العتق استخدم أبدا ، ثم أمر بعتقه بعد مدة معينة سبعين سنة ، فإذا جاز في هذه النصوص المؤبدة أن يراد بها التوقيت فلم لا يجوز في نص موسى على تأييد شريعته بتقدير صحته ؟ وإلا فما الفرق ؟ . فإن قيل : إذا جاز أن يكون نص موسى المؤبد مؤقتا حتى جاز نسخ شرعته ، جاز أن يكون نص محمد صلى الله عليه وسلم على تأبيد شريعته مؤقتا فيجوز نسخها بعده بغيره ، وأنتم أيها المسلمون تأبون ذلك ؟ . قلنا : لا يلزم ذلك ، والفرق بين النصين أن كتاب موسى الذي بيدكم الآن قد بينا أنه غير متواتر ، بخلاف كتاب محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو القرآن ، فتواتره عندنا وعندكم غير خاف علمائكم . ونشترك معكم فنقول : قد ورد في توراتكم نصوص بلفظ التأبيد والمراد بها التوقيت كما بينا طرفا منها ، بخلاف القرآن فإنه لم يرد بذلك ، فلم يرد مثله في نصه - بحمد الله - وها هو قد طبق الأرض ، واجتهدتهم أنتم وغيركم في نقضه ، فلم تطيقوا ذلك ، فإن الله قد حفظه من التحريف والتبديل والتغيير فيه بزيادة أو نقصان ، بخلاف توراتكم ، وها أنا أبين حقيقة توراتكم وأنها ليست بالتوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام والله المعين الموفق . * * *